العدد 1500 سوبر ميكي يناير 1990
اقرأ اون لاين من صفحات العدد :
لماذا يدق قلبي بسرعة أثناء الجرى ؟
سوق الكانتو
مر عام على حصول الاستاذ نجيب محفوظ على جائزة نوبل ... صحيح انه نال جائزته لوضعه أساسا لفن الرواية العربية ، لكن إبداعه المتميز لم يقتصر على فن الرواية فحسب ، وانما امتد أيضا الى القصة القصيرة ... لذا ، وفي هذا العدد ، وبمناسبة مرور عام على نوبل .. ساقدم لك قصة القصيرة لنجيب محفوظ نشرت ضمن مجموعة " بيت سيء السمعة " سنة ١٩٦٥ .
وكما صدرت للأديب الكبير روايات عظيمة " كالثلاثية " و " بداية ونهاية " و " اللص والكلاب " و " السمان والخريف " و " ثرثرة فوق النيل " و " ملحمة الحرافيش " و " قشتمر " وغيرها .. فقد صدرت له ايضا مجموعات قصصية كانت حجر أساس لابداعاته على مدى سنين طوال جنبا الى جنب رواياته المدهشة ..
ومن تلك المجموعات : " دنيا الله " و " تحت المظلة " و " حكاية بلا بداية ولانهاية " و " شهر العسل " و " الجريمة " و " رأيت فيما يری النائم " واخيرا " صباح الورد " التي نشرت سنه ۱۹۸۷ .
غاص حسونة في سوق الكانتو متابطا لفافة كبيرة من الورق .. كانت شمس الصيف الحامية تلهب الجموع الحاشدة ، وقد اصطفت على الجانبين عشرات من عربات اليد مثقلة بالملابس والأوعية والأواني والادوات القديمة .. قصد " حسونة " عربة رمضان ولكن منعه من الوصول اليها سياج من الجلاليب والملاءات اللف .. فصرخ باعلى صوته :
- يا معلم رمضان ، معی اللف هدية !
- ربنا لا يقطع لنا عادة !
- ما معك ؟
- جاكته ...
وضح الاهتمام في وجه رمضان فتناول اللفافة ثم استخرج الجاكتة ليتفحصها .. جاكتة رمادية في حالة جيدة ..
- من این ..؟
فاجاب حسونة وهو يغمز بعين حمراء :
- إطمئن ..
ودس رمضان في يده ورقة من ذات الخمسة والعشرين .. وجال حسونة في أطراف السوق فأبتاع اربع سجائر ورغيفا ولحمة رأس .. وراح يدخن سيجارة بهدوء .. شنكل !! تخيل حسونة وجهه القاسي وانفه المشوه بالندوب وارتعد جسمه الضئيل ..
- لو شك في لحظة واحدة .. انتهيت !!
وتناول حسونة طعامه ولكن وجه شنكل سد حلقه .. وفي الليل لبد عند المنور يتصنت .. وسمع صوت " شنكل " وهو يسأل بغلظة .
- اين الجاكتة ياولية ؟
فاجابت المرأة .
لم تلمسها يدى ..
- زارك احد ؟
- ابدا !
- خرجت ؟
- ابدا !
عفريت اخذها ؟
- ربنا يعلم ..
وترامت اليه دمدمة غراك فارتعد في مكمنه .
- يعني اموت وانا ساكته ؟
- فيها ما يساوى تعب عمر يا مجرمة !
ابتعد حسونة عن المنور وهو يغمغم في ذهول " تعب عمر " تعب عمر ؟؟ ولكن كيف ! لقد فتش الجيوب جيبا جيبا فلم يعثر على شيء .. البطانة .. أجل البطانة .. ولكن كيف كان له أن يتخيل ذلك .. من كان يصدق ان شنكل يترك ثروة في باطن جاكته مسروقة ؟ وسمع وقع اقدام تقترب ، فنظر نحو الظلام فرای شبحا قادما .. فإذا به شكل .
ملاء الرعب ، فأنتتر واقفا بلا وعى .. فعرفه الرجل ورماء بنظرة سمرت قدميه في موضعه :
- حسونة !
فقال بصوت متهدج : - نعم يا معلم ..
- مالك مكوما كالزبالة ؟
- رأسي ثقيل فقلت انام في الهوا ...
وصفعه كانما يجود عليه بإحسان وسار في طريقه .. كلا إنه لا يشك فيه .. فتنهد في إعياء ثم تداعى على الأرض ..
واستيقظ مبكرا والحياة تدب في السوق .. وما لبث أن رأى رمضان قادما يدفع عربته . هرع اليه وقال بلا تمهيد :
- معلم رمضان اين الجاكتة ؟ رمقه الرجل بازدراء وهو يتمتم .
- يا فتاح يا عليم
- الجاكتة يارمضان ؟
- عليك عفريت اسمه « جاكته » بعتها ..
- بعتها ؟ ياخبر أسود ، بعتها يارمضان ؟ لمن ؟
اجاب بارتياب .
- عطية الحلواني ..
- ياخبر اسود يارمضان .. وضاف به فزعق .
- إنطلق !
ساله بعينين مجنونتين .
- ماذا وجدت فيها ؟
فصفعه إعرابا عن حسرته وهو يساله بكراهية :
- ماذا كان فيها ؟
- تعب عمر !
- عمر من ؟
- شنكل .
- ارتعد الرجل فهتف :
- شنكل ! تبيع لي مصيبة !
- لكن مصيبة بيعها أكبر ..
- صحيح انك نحس !
- البطانة يارمضان !
فکر رمضان يائسا ثم قال متنهدا :
- لا فائدة من النواح ، انتظر الليل حتى يرجع الحلواني من حلوان .
وعند المساء ذهبا معا الى قهوة الجوهري فوجدا " عطية الحلواني " منهمكا في عشرة دومينو . فصافحه رمضان وقدم له حسونة ثم اشتركا في اللعب .. وغادروا القهوة معا لاتمام السهرة ، ودون مناسبة قال رمضان :
- أن شاء الله تكون الجاكتة موفقة !
فقال الحلواني وهو يتلاعب .
- طبعا .. ولكنها تحتاج الى
سوق الكانتو
تضييق وتغيير لون . سلمتها امس الى عبدون الرفاء .. فاز عبدون بتعب العمر . وفي الصباح ذهب رمضان وحسونة معا الى دكان عبدون الرفاء وهو يتأهب للعمل ، وعانقه رمضان معانقة الخلان ثم جلس ثلاثتهم على أريكة في نهاية الدكان التي كانت اشبه بدهليز ضيق .. ومال رمضان على اذن عبدون .
لا أحب ان اشغلك عن عملك في ساعة الصبح ولكنا جئنا بخصوص الجاكتة التي سلمها لك عطية الحلواني ..
فسأله عبدون بدهشة .
- مالها ؟
- هل قمت بالمطلوب لها ؟
- لم أمسها بعد .. تنهد رمضان وحسونة بارتياح وقال رمضان :
- تلزمنا بعض الوقت ، دقائق لا أكثر .. فقال الرجل بقلق .
- حد الله ! إنها أمانة ..
- عيب يا عبدون، ستكون عندك بعد دقائق !
نظر اليه بارتياب .. ثم نهض الى كومة من الملابس المحلقة في الجدار ففرها بسرعة حتى استقرت يده على الجاكتة ، الرمادية فنزعها وراح يتحسسها باهتمام حتى استكنت يده فوق أسفل البطانة ..
هز عبدون منكبية ورمى الطريق بنظرة حذرة ، ثم رجح الى الأريكة ويده تفك البطانة بخفة . ثم استخرج رزمة من الأوراق المالية .. صدر عن حسونة صوت كالشهقة .. وقلق رمضان في مجلسه ، اما عبدون فبدا نهما مصمما ، وقال رمضان بلهفة :
- فلنقتسمها بسرعة قبل أن يجيء أحد !
عند ذاك .. ارتفع صوت كالخوار يقول بقسوة .
- عفارم عليكم !
تحولت الرؤوس في فزع نحو الباب .. وجدوا أمامهم " شنكل " شنكل بكل ما أوتي من طول وعرض وكريه منظر يسد الباب سدا .. صاح عبدون :
- انا عبد المأمور ، ولا دخل لي في شيء .. وخرس حسونة فلم ينطق ..
ودخل الرجل على مهل حتى تناول الرزمة من يد عبدون المرتجفة .. والتفت نحو حسونة قائلا : هل ظننت أن عيني غفلت عنك دقيقة واحدة ؟
فتح الرجل فاه ولكن شنكل لطمه بيد كالمطرقة . فاندلق من ركن الأريكة فوق الأرض وهو يتأوه .. واستدار ليغادر المكان ولكن صفارة انطلقت . وطوق باب الدكان في ثوان بالمخبرين . ودخل الضابط شاهرا مسدسه وهو يقول بلهجة امره :
- كل واحد في مكانه ! وقال الضابط يخاطب شنكل : - اتعبتنا أسبوعا كاملا ! الله يتعبك !
وعند الظهر وقفت سيارة مرسيدس امام القسم وغادرها رجل بدين ذو لغد هائل . فقال الضابط :
- قبض على سارق جاكتتك ، ووجدت نقودك كاملة لم تمس ، ولكن ينبغي أن تبقى لاتمام الإجراءات ، واستطرد الضابط قائلا بلهجته الساخرة .
- مبارك عليك : المال الحلال لا يضيع ...

إرسال تعليق
0 تعليقات