سوبر ميكي
العدد 1596 سوبر ميكي نوفمبر 1991
العدد 1596 من مجلة سوبر ميكي الصادر بتاريخ : 21 من نوفمبر 1991م
العدد بصيغة CBR & PDF
القصص الواردة في هذا العدد :
سيتم الاضافة قريباً
اقرأ اون لاين من صفحات العدد :
قصة من الأدب العالمي
الفتاة الزجاجية
.. تمثال صغير من « الكريستال » الشفاف المتلالئ يقف وسط حديقة غناء ، بين الورود .. هذا التمثال لفتاة صغيرة جميلة كانت في يوم من الأيام إنسانة من لحم ودم .. والآن هاهي تقف بلا حراك تتلألأ كالماس تحت اشعة الشمس ، بفستانها الكريستالي الجميل ، وعينيها تنظران إلى الأمام ، أما فمها فهو كالزهرة القرمزية الدقيقة ، وترتفع الشمس في وسط السماء لتترك قطرات الندى الصافي على شعرها البللورى ، أما وجهها الجميل فتغسله الوان ( قوس قزح ) ورغم ذلك فهو وجه جامد لها يعكس أي إحساس بسعادة ، ولا عليه أية مسحة من حزن ..
ثمانون عاما مضت ، وتمثال الفتاة البللورى يقف هكذا وسط الزهور .. ففي نفس تلك الحديقة كانت الفتاة طفلة تجرى وتقفز ، وتتسلق الشجر وتختبيء وسط غصونه ..
والآن لا يعرف أحد من سكان المنطقة شيئا عن تمثالها سوى أن له قصة غريبة غامضة .. لا يدري أحد تفاصيلها .. فتمثال الفتاة مثل أى تمثال جميل يزين اية حديقة ..
شخصان فقط انجذبا نحو التمثال .. أحدهما بستاني عجوز . والآخر صبي صغير ، فالبستاني كان يزور تمثال الفتاة كل صباح ، أما الصبي فكان يزوره بعد عودته من المدرسة .. كل منهما انجذب للتمثال وادرك أن وراءه سر غامض ..
في الصباح كان البستاني يتخيل أن الفتاة الزجاجية ابنته ، فيكلمها ، وينتظر أن ترد عليه .. ومع قدوم المساء ، تخلو الحديقة من الناس ، وتحوم الطيور حول أعشاشها استعدادا للرقاد ، ويظهر الصبى حاملا كتبه ، فيضعها على الحشائش ، ويجلس أمام تمثال الفتاة يتأملها :
- ترى ماذا تفعلين في برد الشتاء القارس ؟
ويشعر الصبي انه يود أن يحمل التمثال معه إلى البيت لحمايته من وهج الصيف أو برد الشتاء القارس .
وفجأة .. يسمع الصبى وقع خطوات ، ويلتفت وراءه فإذا بالبستاني العجوز امامه .. وللحظات ظلا ينظران لبعضهما البعض ، دون كلمة واحدة ، ثم قال العجوز :
- انا ايضا جئت لزيارتها " أفعل ذلك منذ سنين طوال ! فسأله الصبي :
- ولم ؟
- لا ادرى يابني !
فرد الصبي وكأنه يعترف :
- أما أنا فأمر من هنا كل يوم بعد المدرسة ! ولكن هل تعرف من هي صاحبه التمثال ياعم ؟ فنظر البستاني العجوز إلى
الفتى :
- إنها قصة قديمة ياولدي !
أنا نفسى لم اكن قد ولدت بعد عندما شب الحريق المروع .. ولكن عندما كبرت ، قصوا على الحكاية ، فمنذ زمن بعيد .. عاشت هذه الفتاة حياة موسرة .. اسرة عريقة .. ثراء .. حسب ونسب .. خدم وحشم .. وكانت الفتاة تحب أمها حبا شديدا !
فلمعت عينا الصبي :
- اسمعك جيدا ياعم : أكمل ارجوك !
- وذات يوم ، وعندما كانت الفتاة في حوالي الثانية عشرة من عمرها ، اجتاح المنزل حريق مخيف .. اتى على كل شيء ، ونجح الأب في إنقاذ إبنته ، أما الأم فالتهمتها النيران ، والغريب أن الفتاة لم تذرف دمعة واحدة على أمها !
- كيف ؟
- لم تستطع الفتاة البكاء !
وعندما بكت قال بعض الناس إن دموعها كانت قطعا متلألئة من البللور ، ثم تحولت الفتاة نفسها إلى قطعة من البللور الصافي
على مرأى من والدها ..
- وماذا حدث بعد ذلك ياعم ؟
- أخذ الاب التمثال ، ووضعه هنا كما ترى بالحديقة ! ثم هجر البلدة بلا رجعة ! وأعيد بناء المنزل ، وسكنته أسرة أخرى ومن بعدها أسرة ثالثة ... وهكذا !!!
ثم قال الفتى مستنكرا :
وكيف يترك الأب تمثال ابنته هكذا ؟
- لا ادرى يابني ! كل ما أعرفه أن التمثال هنا منذ ثمانين عاما ، ولكن لا أحد يصدق هذه الحكاية !!
وجلس الصبي والعجوز يتحدثان في أمر التمثال ، حتى بدأ الظلام يلف المكان ، فانصرفا بعد أن سمع التمثال كل كلمة قالاها ...
وفي هداة الليل تمسى الورود في الحديقة ورودا فضية ، وتتلألأ قطرات الندى فوق الزهور كأنها لؤلؤ منثور .. وفي قلب الحديقة تتفجر النافورة ماء صافيا عذبا .. ورغم سكون الليل ، هناك إحساس يغمر المكان .. إحساس بالحياة .. تتلألأ عينا إحدى القطط البيضاء وسط الظلام ، وقبل ان تختفى القطة تنظر لتمثال الفتاة ، ثم تمضى .. لتتوارى خلف الاشجار .. وتقف الفتاة بلاحراك . وكأنها تسترجع ذكرياتها القديمة ..
فهي ايضا كان لديها قطة بيضاء مثلها ، وفي هذا المكان بالحديقة ، كان لديها بيتا للعرائس ، كان رائعا ومليئا بالكراسي الدقيقة التي تجلس عليها العرائس ، كل شيء في هذا البيت كان صغيرا .. وهنا كانت تمتطي حصائها الصغير ومن تلك النافذة كانت تنبعث انغام البيانو .. فقد كانت أمها كانت امهر وارق عازفة بيانو .. كانت تحبها وتضمها إلى صدرها تعالى إلى يا صغيرتي « اليسون » وفجأة وبلا مقدمات اشتعلت النيران ، واتت على هذا الحلم الجميل .. بدأت في الطابق العلوى من البيت بظلال وشرر حتى اصبح البيت كله قطعة من اللهب المشتعل .. وامتدت السنة النيران إلى كل أرجاء البيت .. واختلطت بالصراخ والعويل .. فامسكت « اليسون » بيد مربيتها . واندفعتا خارج البيت .. وبعد لحظة سقطت كرة من نار على بيت العرائس بالحديقة فحولته إلى كومة من رماد .. كل شيء جميل أصبح جمرة من نار ثم كومة من رماد ... واخترقت اجراس عربات المطافيء اذن « اليسون » .. وامتلأ المكان بالناس .. الكل في ذعر .. الجيران والخدم وأطفال الحي ورجال الانقاذ ونظرت « اليسون » داخل البيت المحترق ، فوجدت امها عبر الزجاج مستلقية بلا حراك كأنها عروسة عملاقة .. لقد نسيت « اليسون » المصباح بجوار الستائر .. فكان ما كان .. تذكرت « اليسون » تلك الأحداث الأليمة ، لكنها لم تشعر بها لأنها تمثال .. وفي كل ليلة ، وتحت ضوء القمر تنحدر دمعتان زجاجيتان على خدى « اليسون »
ويظل تمثال « اليسون » حبيس حبيبات الكريستال ، فبالأمس حكى البستاني العجوز حكايتها ، واليوم جلس الصبي مدهوشا امام التمثال ، لكنه لم يلحظ دموعها الزجاجية ، ولا يديها الصغيرتين التي تضمها بشدة أمامها .. لم يع الصبي سوى انه يحب « اليسون » إنه يحب تمثالها الزجاجي .. الكل يتهمه بانه جامد الاحساس لا يحب سوى كتبه .. لكن الحب بالنسبة للصبي كان كالنبات الصغير الذي لم يتمتع بعد بدفء الشمس .. والآن يغمر الحب كيانه .. بالأمس حلم الصبى حلما .. رأی نفسه يمشي في ممر باحد المتاحف وحوله حوائط مرتفعة .. قاعات المتحف لا حصر لها .. حجرات كبيرة تقود لحجرات أخرى أكبر .. ولا اثر فيها لاية حياة .. وصعد الصبي سلما من رخام وظل يصعد ويصعد ودرجات السلم لا تنتهى بل تتضاعف ، وبعد مشقة وجد الصبي نفسه على قمة السلم وسط مجموعة من التماثيل المصنوعة من الحجارة والرخام والخشب ، فهذا تمثال محارب روماني ، وهذا ملك فرعوني ، والآخر طفل صغير من عصر النهضة ...
وقف الصبى مندهشا امام تلك التماثيل الصماء وتمنى من قلبه لو دبت فيها الحياة .. لكن في ذلك خطر عليه ، فلو دبت فيها الحياة ستهاجمة ، وربما ستقضى عليه .. وفر الصبي بجوار التماثيل حتى وقف امام تمثال لطفل يوناني في الثانية عشرة من عمره ، فانحنى ليقبله ، فبدا جسم التمثال يتحرك .. لقد ابتسم الطفل وقفز من فوق قاعدته ونزل إلى القاعة وأخذ يقبل بدوره كل التماثيل ، فتدب فيها الحياة الواحد تلو الآخر .. ثم لمح الصبي تمثال الفتاة الزجاجية ، فرقص قلبه فرحا ، ستتحرر إذن من سجنها البللورى مثل باقي التماثيل ، فاسرع الصبي إلى تمثال الفتاة ليقبلها لتدب فيها الحياة ..
- استيقظي يا « اليسون » كل التماثيل استيقظت إلا انت ! ولم تعبأ التماثيل بصراخه بل التفت حوله وكأنها تتربص به ، وبدأت تصدر اصواتا كصراخ الحيوانات .. ستقتله التماثيل إذا لم تتحرك « اليسون » واستيقظ الصبي من النوم .
وفي الحال هرع الصبي إلى الحديقة .. كان الليل ساكنا .. لقد أدرك الصبى انه يحب « اليسون » حبا كبيرا ، لكنه لم
يستطع أن يحررها من سجنها البللورى .. وظل الصبى قابعا أمام التمثال ، حتى بزغت خيوط الفجر ، وعندما افاق وجد أمام
مفاجاة .. لقد فردت الفتاة بديها بعد ان كانت تضمهما أمامها .. ترى هل سيتحقق الحلم ؟ فجرى الصبي ناحية البستاني العجوز ليحكى له ما شاهده .. لقد بدأ تمثال « اليسون » يتحرك ... وفي تلك الأثناء تخيل الصبي « اليسون » وهما معا يلعبان ويمرحان ويكبران .. وسمع اصوات ضحكاتهما بين الشجر .. ولمس الصبى وجه اليسون الزجاجي بيديه فتحول في الحال إلى وجه متورد جميل .. أما شعرها الزجاجي فقد تحول إلى خصلات ذهبية تتطاير مع نسائم الهواء .. وتثاءبت « اليسون » وكأنها تنفض عن نفسها نوما عميقا .. وبكى الصبي فرحا ، فسقطت دموعه على اصابعها الزجاجية فارتعشت ارتعاشة خفيفة .. ودبت الحياة في جسم « اليسون » كله . فنزلت من فوق قاعدتها الزجاجية .. لكنها لم تر الصبي أو البستاني .. لقد ذهبت ناحية البيت ، وتأملته طويلا فامتلأت عيناها بالحزن ... وناداها الصبي :
« اليسون » انا هنا !
لكنها نادت أمها ولم تسمع اية كلمة قالها ..
احس الصبي أن حلمه يتسرب من بين يديه ، وناداها ثانية : عودي يا « اليسون » !
إن « اليسون » تسير نحو الماضي .. ستعود بالزمن ثمانين الي الوراء .. وعجز الصبي عن لمسها .. إنه يراها لكنه لا يستطيع أن يلحق بها أو يلمسها فصرخ البستاني العجوز :
- اتركها لتذهب ! فامها في انتظارها وابتعدت الفتاة ، واتجهت ناحية الوادي الأخضر البعيد ابتعدت الفتاة لكنها لم تختفى ، ثم جرت ناحية سيدة رائعة الجمال واحتضنتها بشدة ..
واشتد وهج قرص الشمس ، وسارت الفتاة وامها نحوه ، في سعادة حتى اختفتا عن الانظار .
تقديم : شهيرة خليل
--------------------------
انتقل الي العدد التالي : العدد
العودة الي العدد السابق : العدد

إرسال تعليق
0 تعليقات