العدد 1052 سوبر ميكي يونيو 1981

العدد 1052 من مجلة سوبر ميكي الصادر بتاريخ : 18 من يونيو 1981م



العدد بصيغة CBR & PDF




سيتم اضافة رابط PDF للعدد قريبا



القصص الواردة في هذا العدد : 


سيتم الاضافة قريباً



اقرأ اون لاين من صفحات العدد : 


ثعبان البحر الحزين

.. هناك بعيد بعيد عن الارض وفى وسط المياه وقفنا ننتظر الشبورة التي تأتي مع كل مساء في نفس الميعاد - وبعدها قمنا بتشحيم الآلة الضخمة ثم أشعلنا الضوء في الفنار الذي تعمل به أنا وصديقى ماك دين - كنا دائما نبعث بالاشارات الضوئية أحمر - ابيض - اصفر الخ حتى تستطيع السفن الوحيدة شق طريقها بأمان أو أحيانا اخرى ترسل نداءات حاده تقطع جدار الضباب مدوبة حتى أنها كانت تخيف طيور البحر فتهرب عبر هذه الامواج المتلاحقه  .
قال لي ماك دين : الحياة هنا صعبه ولكنك الان تعودت عليها اليس كذلك ؟ فرددت عليه قائلا : بالطبع وعلى كل حال فحكاياتك المسلية تخفف من قسوة هذه الحياة فابتسم قائلا : غدا ستعود الى الشاطئ .. فقلت له وأتركك هنا وحيدا .. فرد على : مع أسرار البحر ياجوني - وكانت الساعة حوالي السابعة والربع فى هذه الامسية الباردة من نوفمبر وفي نفس الوقت كان الفنار يرسل بضوئه الممتد في كل الاتجاهات ومن قمة البرج يرن صوت البوق لتحذير السفن - وهناك على بعد 2 خمسين كيلومترا من الفنار ترى العين طريقا ضيقا وسط الاراضي العشبية يمر فيه قليل من السيارات وبين الصخرة التي يقع عليها الفنار والارض مضیق عرضه ۳ کیلر مترات تعبره مراكب قليله .
قال لي ماك دين سارحا بفكره : وماذا تعلم عن أسرار البحر ؟ - الاتعرف أن المحيط عباره عن كرة ثلج ضخمه تجرى وتدور وتنتفخ وتأخذ الاف الاشكال والالوان ففى احدى الامسيات من عدة أعوام كنت جالسا وحدى هنا وفجأة رأيت السمك يندفع من الاعماق ليطفو على السطح كما لو أن هناك شيئا ما يدفعه في الاعماق ومن الغريب ان السمك كان يبحلق ويتأمل الفنار ولقد رأيت ذلك بعيني مما ملأني بقلق جارف وظل السمك على حالته هذه كذيل ثعبان طويل حتى منتصف الليل حيث غطس وعاد ادراجه في أعماق البحر كما لو أنه قد قطع مسافة طويلة للقيام بمهمة مقدسة كالحج - ويبدو أن هذا السمك كان مأخوذا بهذا الفنار المقام على ارتفاع 30 مترا من الماء والمضيء في كل الاتجاهات ومع هذا الصوت صوت البوق الصادر من أعلى الفنار كهدير الثور - ولم ار هذا السمك بعدها مرة أخرى - احيانا يخيل لي أن السمك كان في هذه اللحظات مشدوها أمام كائن قوی عجیب - انهى » ماك دين«  حكايته وانتابتني رعشه خفيه ونظرت الى هذا السطح المائي الضخم اللانهائي و بادرني ماك دين بقوله : في البحر هناك الكثير من الاسرار ثم قال بالرغم من كل الاتنا المعقدة وعلمنا المتقدم وغواصاتنا في الاعماق فستمر مئات السنين قبل أن يستطيع الانسان النفاذ إلى هذه الاراضي المدهشة العجيبة في اعماق البحر وساعتها سيعرف معنى الخوف الحقيقي - هذه الممالك في الاعماق ما زالت تعيش في عصر الانسانية الأول من آلاف السنين وهم على بعد ٤ اميال عديدة فقط من السطح . 
اخذ مال دین بیدی وقال: فلنصعد الى حجرتنا کی نتحدث قليلا - وعندما وصلنا الغرفة وأطفئت الانوار قال لي أن صوت هذا اليوم يشبه صياح ثور هائج وحيد كأنه محبوس ينادي طوال الليل 
طالبا الاستغاثه ويقول « اننى هنا اننى هنا «  فترد عليه الاعماق قائلة لا تخف - لا تخف انني اسمعك «
ثم قال لي ماك دين : أن حوالي ثلاثة أشهر من وجودك هنا يا جوتي قد مرت وأحب أن أحذرك بأن في مثل هذه الفتره من كل عام - قال وهو ينظر بعمق الى البحر والضباب - يأتي شيء ما حتى الفنار !!
وهنا قلت له : هذا السمك الذي كلمتني عنه ؟ فاردف : لا ـ شيء آخر لم اكن ارغب في الكلام معك عنه حتى لا تتهمني بالجنون ولكن لابد أن أبوح لك به الان فاليوم هو ميعاد ظهور هذا الشيء للمرة الاخيرة ولن أعطى لك بتفاصيله وستراه بنفسك وبعد أن تراه عليك أن ترحل غدا وتأخذ سيارتك الواقفه على رأس الشاطيء لتذهب الى اى مدينة وتضيء النور طوال الليل ولن الومك على هذا - فها هي ثلاث سنوات موت وأنا أشاهد دائما هذا المشهد واليوم فقط سيكون هناك شاهد آخر معى ليري بنفسه - والان فلننتظر مرت نصف ساعة تبادلنا : خلالها كلمات قليلة وعندما أحسسنا بالملل فتح لي ماك دین قلبه و بدأ يتكلم مرة اخرى : في يوم ما منذ أعوام عديده ولنقل الاف السنين وجد أحد الرجال نفسه وحيدا على شاطيء مهجور في بلدة لا تظهر فيها الشمس فقال لنفسه : يلزم لنا صوت حاد فوق سطح الماء لتحذير القوارب وسأخلق هذا الصوت بنفسى - وهكذا منذ هذا الزمن السحيق ولد الصوت - صوت البوق الذي يخترق الضباب - صوت يشبه صياح الطيور المهاجرة الحزين صوت يشبه رياح نوفمبر العاصفة صوت ذونبرة خاصة لا يستطيع أن يخطئه أحد ويتذكره كل من يسمعه كحزن عميق متغلغل في نفسه - صوت يجعل المأوى أكثر دفنا والحياة اكثر بهجة لدى هؤلاء الموجودين على الارض وكل من يسمع هذا الصوت سيتحقق بنفسه من غضب الاقدار وقصر الحياة - وهنا سمعنا صوت بوق الفنار مدويا - ثم عاد ماك دين ليقول : انني بالطبع اخترت هذه القصة كي أشرح لك لماذا يأتي هذا الشيء والذي ربما كان البوق يناديه وهو يرد عليه فقلت له : ولكن - ولكنه قاطعنی قائلا : اسكت : هذا هو - وأشار لي ماك دين الى الاعماق كان هناك شيء ما يزحف نحو الفنار في هذا الليل البارد الثلجي - ولكن من الصعب تمييز هذا الشيء القادم من بعيد وملون بالسواد الباهت وهو يتقدم بهدوء بينما نحن وحيدين في أعلى البرج - ولمحنا خط الماء ينتفخ ويقترب وفجأة ومن بين سطح هذه الامواج ارتفع رأس ضخم قاتم مع عينين براقتين ثم ظهرت الرقبة - رقبة طويلة للغاية - ارتفع الراس لمسافة عشرة امتار فوق هذه الرقبة العجيبة المدهشة وهنا فقط ظهر الجسم الضخم المغطى بالصدف - ثم انبثق الذيل بعد ذلك - من الرأس الى الذيل يمكن أن يصل طول هذا الحيوان الى ثلاثين مترا و کثعبان ضخم ! أو تنين مهول .. تلعثمت وانا لا ادرى ماذا اقول فهمس ماك دين في أذني قائلا : أهدا يا صديقي ولكن هذا مستحيل لا ياجوني ليس هذا بمستحيل فان هذا الحيوان تماما كما كان منذ الاف السنين ولم يتغير - نحن الذين تغيرنا وتغير العالم كذلك حتى أصبحت مثل هذه
الاشياء مستحيلة الوجود - سبح ثعبان البحر العملاق
ثعبان البحر الحزين
ببطء و برشاقه عدة مرات حول الفنار ثم غاص في الاعماق وتبددت آثاره تحت الضباب لفترة وجيزة رأيت عيون الثعبان وهي تخرج ضوءا قويا وكأنها ترد على اشارات الفنار الضوئيه بينما كان الحيوان نفسه متجمدا في صمت مثير -
قلت برفق أن هذا نوع من الديناصور - ورد على ماك دين : بالطبع قلت : ولكن هذا الجنس اختفى منذ مدة طويلة
فقال لى هذا غير صحيح - فهذه الحيوانات بحثت عن مأوى في أعماق البحار في هذه الاعماق الباردة الحزينة - قلت له ! وماذا سنفعل الان ؟ فقل لي : لا نستطيع عمل أي شيء - اننا هنا في أمان أكثر من اى مركب ، فهذا الحيوان أسرع وأقوى من أى مرکب حربی نعرفه ، وهنا قلت له : ولكن لماذا يأتي هنا هذا الحيوان ؟ وفي اللحظه التاليه علمت الاجابة -فقد أطلق بوق الفنار صيحة ورد عليه الحيوان بصيحة مماثله - صيحة منبعثة من الاف السنين تحمل معها كل الحزن والقلق حتى اننى احسست بالخوف الشامل - وأطلق البوق صيحة مرة أخرى أجاب عليه الحيوان حيث فتح فمه الضخم ورد بنفس نغمة البوق - نغمة الوحدة والحيرة - نغمة القلق وصوت الاعماق اللانهائي التي تمزقه العاصفة .
- وهمس في اذني ماك دين : هل فهمت لماذا يأتي الى هنا هذا الحيوان - فهززت رأسي - واستأنف ماك دين : طوال العام يعيش هذا الحيوان التعيس بعيدا عن هنا في الاعماق وعلى بعد الاف الكيلو مترات ، منتظرا الميعاد ربما كان هذا الميعاد يرجع الى الاف السنين - هل تتصور - على كل حال فان هذا الفنار مقام هنا منذ خمسة أعوام فقط وكذلك البوق ولكن صوت هذا البوق يخترق الضاب والماء ليصل الى الاعماق - وتخيل مثلا انك كنت غارقا في النوم تأخذك ذكريات الاف السنين حيث كان هناك الالاف من أصدقائك ولكنك حاليا وحيد في هذا العالم - هذا العالم الذي ثقل ولم يصبح مناسبا لحياتك وعليك ان تتخفى منه ولكن صياح هذا البوق يرن في اذانك وتتفتح عينيك وتبدأ في التحرك ببطء لان ثقل هذه الاعوام كلها مازال يقلقك ، ولكن صيحات البوق تعيد في اعماقك شحن الذكريات والاماكن القديمه فتستمر في التقدم ببطء وببطء وتبتلع اثناء ذلك أطنانا من السردين والقواقع وتعبر الخريف الطويل حيث الضباب الكثيف ولكن صوت البوق يثيرك دائما واخيرا في نوفمبر تجد نفسك قريبا من السطح ممتلئا من كثرة الطعام ويلزمك أن تسبح ببطء وسط هذه المياه الباردة حتى تصل الى الفنار - هذا هو ياجوني اكبر حيوان في العالم ماثل أمامك برقبته الطويلة - هل فهمت الان ؟ - وهنا أطلق البوق صيحه ورد عليه الحيوان بمثلها .. نعم - الان فهمت فها أنا ذا أراه منذ الوف الاعوام الماضيه وهو ينتظر رفيقا مالم يحضر - الوف الاعوام مرت عليه وهو في الزمن اللا محدود بينما يتغير العالم وتندثر الحيوانات و تظهر صحاري وتختفى أخرى ويظهر البشر في كل مكان يعمرون ويستعمرون - وقال لي ماك دين : في العام الماضى ظل الحيوان يدور حول الفنار طوال الليل ربما كان يلقى ببعض الاسئله على الفنار أو ربما كان خائفا من الفنار ، ومن المدهش أن السماء في اليوم التالي كانت خالية من السحب والضباب والشمس ساطعه و هرب الحيوان بعيدا فهو لا يحب الشمس ويخافها - كان الحيوان على بعد ۳۰ مترا منا مستمرا في حواره مع البوق - وفجأة قال ماك دين : يالها من حياة صعبة يحياها هذا الحيوان المسكين في انتظار صديق لا يريد أن يحضر - دائما يحب أكثر مما يتلقى من حب - وها هو يرغب في تحطيم الفنار حتى لا يتعذب وهنا اتجه الحيوان مباشرة نحو الفنار - وأطلق البوق صيحته - فقال مالك دين : لترى ماذا سيفعل – وهنا مرت دقيقه من الصمت الهائل المفعم بالخطر - أوقف فيها ماك دين البوق عن العمل - وتوقف الحيوان تماما وعيناه تتحركان بسرعة وفتح فمه على سعته وأطلق صيحة كالبركان و هز رأسه يمينا ويسارا وصاح مرة أخرى بعنف وعيونه تتوهج بشده ثم اندفع بكل شده نحو الفنار وفي عينيه نظرات غضب والم - وهنا قلت لماك دين : - عليك بالبوق كي يعمل من جديد و حاول ماك دين أن يعيده للعمل - ولكن في نفس اللحظه ارتفع الحيوان بكل قامته فرأیت کفیه الهائلتين تطبقان على البرج وعينه اليمنى ينبعث منها وهج كانه فرن ضخم - واهتز البرج بأكمله - وهنا اطلق البوق صيحته ورد عليه الحيوان العملاق بعد أن قضم بغضب الزجاج الذي تحطم في كل مكان قال لي ماك دين : فلننزل بسرعه كان البرج يهتز ويتراقص وبدا ولو كان سيسقط وبسرعة نزلنا حتى الدور الأرضى وكانت قمة البرج قد انهارت - واندفعنا نختبىء في الكهف الارضى والذي كان يهتز بشده أيضا بينما كانت الاحجار تسقط من كل مكان وسكت البوق فجأه حيث انهار - البرج تماما - وتمددنا على الارض ملتصقين بها وساد الدنيا صمت وظلام هائل وهمس لي ماك دين : انصت قليلا - وبعد لحظه استمعت صوت نحيب عال يعكس قلق ومأساة الحيوان العملاق وهو ممدد على الجزيرة حيث ملأت رائحة جسده الهواء وتغلغلت حتى مخبأنا - وبدأ الحيوان في البكاء الذي يشابه لحد بعيد صوت بوق الفنار الأمر الذي بدون شك ساعد السفن التي - تمر بالقرب من الفنار في ذلك الوقت على تمييز طريقها رغم انها لاتری ضوء الفنار ولا تدري انه صوت الحيوان لا البوق - وفي الصباح ارتفعت الشمس عاليه في السماء بينما كان رجال الانقاذ يحيلون التراب عنا – وقال لهم ماك دين : لقد انهار البرج بسبب مياة البحر الهائجة القوية ولسعني في ذراعي حتى لا ابوح بما رأيته -  وكان كل شيء هاديء سوى هذه الرائحة غير المستحبة الناتجة من اقلاع بعض النباتات وتدحرج الاحجار -
في العام التالي تم بناء الفنار من جديد ولكنني كنت اعمل في المدينه – وتزوجت وكنت أمتلك منزلا دافئا سعيدا في الليالي الباردة حيث الابواب مغلقه جيدا بينما ماك دین مازال يعمل في الفنار الجديد الذي بنى حسب توصياته من الاسمنت المسلح وأصبح جاهزا للعمل في أوائل نوفمبر - وذهبت ليلة لأراه و تركت عربتي قريبة على الشاطيء وأنا أنصت لصوت البوق مرة بعد مرة ولكن اين الحيوان ؟ -
قال لي ماك دين انه لم يعد ابدا من ساعتها فقد هرب الى الاعماق فقد تعلم في هذا العالم . العميق تحت الماء أنه لاجدوى من الحب العنيف وقرر أن ينام وحيدا لألوف السنين القادمة وسينتظر طويلا هناك - جلست في العربة قليلا واستمعت إلى صوت البوق الذي ذكرني بصوت الثعبان العملاق قبل أن أعود الى منزلي واصدقائي .

--------------------------


انتقل الي العدد التالي : العدد 

العودة الي العدد السابق : العدد 


إرسال تعليق

0 تعليقات