العدد 1494 من مجلة ميكي ديسمبر 1989

 العدد 1494 من مجلة ميكي الصادر بتاريخ : السابع من ديسمبر 1989م



داخل العدد /
مسابقة كبرى و جوائز قيمة

العدد بصيغة CBR & PDF



ميكي ماوس يرقص مع ميمي علي غلاف مجلة ميكي عدد اثري مميز من الثمانينات لمجلة ميكي القديمة الرائعة


للهاتف المحمول استخدم رابط PDF للعدد 




القصص الواردة في هذا العدد : 

لغز ميكي
صفحات فكر و ضحك و لعب
خدمات مجانية
جاهز للإبحار
جوائز مسابقة رياضة × رياضة
مسابقة ميكي الكبرى
فاتورة مكلفة جداً 
 قنديل ام هاشم 
بطوط عنخ امون
صفحات منك و اليك
بطل الملاكمة
اشهر صفحات الاعلانات للمنتجات في تلك الفترة


اقرأ اون لاين من صفحات العدد : 

قنديل أم هاشم


البداية ستكون مع الأديب يحيى حقي وقصة قنديل أم هاشم كتبها سنة ١٩٣٩ .. ونشرت لأول مرة في سلسلة إقرأ بدار المعارف سنة ١٩٤٤ ضمن مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان ... وقد ألف حقي أعمالاً أخرى لا تقل قيمتها عن قنديل أم هاشم .. لكن القنديل نال قسطاً من الشهرة ربما لأنه خرجت من قلب حقي مباشرة كالرصاص على حد قوله.
تدور أحداث القصة في حي السيدة زينب .. نفس الحي الذي شهد طفولة الكاتب .. وأثر على حياته .. وتكوينه النفسي والفني . كما أكسبه براعة في رسم الشخصيات المصرية الصميمة ... والقدرة على توظيف اللغة العامية.
إسماعيل هو بطل القصة .. حفظ القرآن الكريم ثم سلمه أبوه الشيخ رجب للمدارس الأميرية فسرعان ما امتاز بالأدب والاتزان وتلألأت على سيمانه نجابة لا تخطئها العين .. فتعلق به آمال أسرته .. وأصبح وهو لم يزل صبياً لا ينادى إلا بـ "سي إسماعيل" أو "إسماعيل أفندي" ولا يعامل إلا معاملة الكبار وسنة بعد سنة وإسماعيل يفوز بالأولية ... فإذا أعلنت النتيجة دارت الكؤوس بالشربات على الجيران.
نشأ إسماعيل وحياته لا تخرج عن حي السيدة زينب والميدان ... أقصى نزهة أن يخرج إلى المنيل ليسير بجانب النهر أو يقف على الكوبري.
وفي ميدان السيدة رجال ونساء لا ندري من أين جاءوا ولا كيف سيختفون ... هذا مدرسة الشحاذين.
لقمة واحدة لله يا فاعلين الثواب!!
وهذا بائع الدقة الأعمى الذي لا يبيعك إلا إذا بدأته السلام ببراميله ... وتترك القدام الخراط عملها اليومي وأدواتها المعتادة وتصاحبها إلى الدار ... وعندما يتقدم المساء ينعشه نسيم دودي دلال .. تسمع من القهاوي ضحكات غضة ... وأخرى غليظة..
عندئذ تنتهي جولة إسماعيل في الميدان ... وهو خبير بكل ركن وشبر وحجر صور متكررة متشابهة اعتادتها فلا تجد في روحه أقل مجاوبة.
وفي يوم الزيارة يبتسم إسماعيل عندما يرى الشيخ درديري خادم مقام السيدة زينب وتأتي إليه نسوة ورجال يسألونه شيئاً عن زيت قنديل أم هاشم لعلاج عيونهم أو عيون أعزائهم ... يشفى بالزيت المبارك من كانت بصيرته وضاءة بالإيمان.
و اختص الشيخ درديري إسماعيل بحنانه: "تعرف يا سي إسماعيل ... ليلة الحضرة هذا القنديل الصغير تراه فوق المقام ينبعث منه لآلئ تخطف الأبصار .. إنني ساعتها لا أطيق أن أرفع عيني إليه .. زيته في تلك الليلة فيه سر الشفاء .. فمن أجل ذلك لا أعطيه إلا لمن أعلم أنه يستحقه من المنكسرين..
وكان أمل أسرة اسماعيل أن يدخل مدرسة الطب. ولكن ليس أمامه إلا أن يدخل مدرسة المعلمين إن شاء أو أن يدرس للبكالوريا من جديد ... ويضيع سنة من عمره ... وكلا الأمرين بغيض الى نفسه ..... فأشار بعض المعارف على الشيخ رجب.
لماذا لا ترسل ابنك الى أوروبا ؟ بلاد بره!! كلمة لها رنين وسحر....
وباعت الأم حليها ... وجمع الأب كل ما استطاع جمعه ... وقال لابنه : وصيتي إليك أن تعيش في بلاد بره!! كما عشت هنا .. حريصا على دينك وفرائضك ونحن يا بني نريدك ان ترجع الينا لتبيض وجوهنا امام الناس .. واعلم ان الله وانا قد اتفقنا على أن تنتظرك فاطمة النبوية فأنت أحق بها وهي أحق بك هي بنت عمك .. وليس لها غيرك .... وإن شئت قرأنا الفاتحة معا ولم يسمع اسماعيل إلا القبول إرضاء لأبيه رغم أنه نشأ مع فاطمة ابنة عمه كأخوين.
وحان موعد سفر اسماعيل الى أوروبا ... ما أمر وداع الأسرة وسط البكاء
 والنحيب .. فحمل اسماعيل في أمتعته قيقابا وسراويل وسلة ملأى بالكعك والمنين من عمل أمه وفاطمة النبوية . وسافرت الباخرة...
ومرت سبع سنوات ... وعادت الباخرة وعاد الدكتور اسماعيل المتخصص في طب العيون ... والذي شهدت له جامعات انجلترا بالتفوق النادر ... سبع سنوات في انجلترا قلبت حياته رأسا على عقب .. لكنه تعلم كيف يتذوق جمال الطبيعة 
ويتمتع بغروب الشمس ... ويلتذ بلسعة برد الشمال..
وفي انجلترا .... تعرف بماري زميلته في الدراسة ... ففتحت له آفاقا يجهلها من الجمال .. في الفن في الموسيقى .. في الطبيعة بل في الروح الإنسانية أيضا ..... وكانت تقول له : يا عزيزي اسماعيل الحياة ليست برنامجاً ثابتاً بل محاولة متجددة
إن اخشي ما تخشاه هي القيود..... واخشى ما يخشاه هو الحرية.... كان اسماعيل يشعر بكلامها كالسكين يقطع من روابط حية يتغذى منها إذ توصله بمن 
حوله.. واستيقظ في يوم فإذا روحه خراب.... لم تقو اعصابه على تحمل هذا التيه فمرض ..وانقطع عن الدراسة وكانت ماري هي التي انقذته .... لكنه استبدل إيمانه بالدين بإيمان اشد واقوى بالعلم بعدها لم يشعر اسماعيل بمصر إلا شعوراً مبهماً.
عاد اسماعيل وكلم عن اهله موعد الباخرة حتى لا يكلف اباه مشقة السفر للاسكندرية لاستقباله.. واقترب من شارع الخليج بالسيدة زينب فرأى قذارة وذباب وفقر ...وخراب ....فانقبضت نفسه وركبه الوجوم والاسى وزاد لهيب الثورة في قرارة نفسه.... ووقف امام البيت ....وتناول معرفته وتركها تسقط فاختلطت دقاتها بدقات قلبه وسمع صوتاً رقيقاً ينادي بلهجة نساء القاهرة.
مين؟
انا اسماعيل ! افتحى يا فاطمة!!
كادت امه يغمى عليها وهى تضمه وتقبل وجهه ويديه.. كم شاخت وتهدلت وضعف صوتها وبصرها.. وجاءه ابوه وفى عينيه نظرة اعياء وصبر.. لم يذكر لاسماعيل ما يعانيه.. فكان اسماعيل يلهو فى اسكتلنده مع رفيقه يأكل البفتيك.. وابوه قعيد داره عشاؤه طعمية وفجل..
واقبلت امامه فتاه ضفيرتاها واساورها الزجاجية الرخيصة وحركاتها وكل ما فيها وما عليها يصرخ بأنها قروية من اعماق الريف.. هل هذه الفتاة التى سيتزجها ؟ ومالها معصوبة العينين؟؟ فهى ترفع ذقنها لتستطيع ان ترى وجهه.. لم يدعها الرمد منذ سافر .. وساء حالها يوما بعد يوم...
سال اسماعيل نفسه كيف يستطيع أن يعيش بينهم وكيف سيجد راحته في هذه الدار..؟
 سمع اسماعيل امه تقول:
تعال يا فاطمة اقطر لك في عينيك..!
ما هذا يا أمي ؟ هذا زيت قنديل ام هاشم ..تعودت ان اقطر لها منه كل مساء قفز اسماعيل من مكانه كالملسوع اليس من العجيب انه وهو طبيب عيون يشاهد في اول ليلة من عودته باية وسيلة تداوى بعض العيون الرمد في وطنه . تقدم إسماعيل إلى فاطمة فاوقفها وحل رباطها وفحص عينيها فوجد رمداً قد اتلف الجفنين واخر بالمقلة فصرخ في امه بصوت يكاد يمزق حلقه:
حرام عليك الاذية !حرام عليك انت مؤمنة تصلين.. فكيف تقبلين مثل هذه الخرافات والأوهام ؟ وصمتت امه وانعقد لسانها لكنها نطقت اخيرا:
اسم الله عليك يا اسماعيل يا ابني! ربنا يكملك بعقلك !هذا غير الدوا والاجزا هذا ليس الا من بركه ام هاشم!!
سترون كيف اداويها فتنال على يدى الشفاء الذى لم تجده عند الست ام هاشم!!
هبط على الدار صمت مقبض كصمت القبور... وسمع اسماعيل صوت ابيه كانما يصل اليه من مكان سحيق:
ماذا تقول هل هذا كل ما تعلمته في بلاد بره ؟ كل ما كسبناه منك ان تعود الينا كافراً
انفجر اسماعيل فقد وعيه وشعر بحلقه يجف وبصدره يشتعل وهجم على امه يحاول أن ينتزع منها الزجاجة فتشبثت بها لحظة ثم تركتها له فاخذها من يدها بشدة وعنف وبحركة سريعة طوح بها من النافذة وانطلق الى الباب وفي طريقه وجد عصا ابيه فاخذها ثم هرب من الدار جريا...
اشرف على الميدان فإذا به يموج كدا به يخلق غفير ما هذا الصحب الحيواني ، وما هذا الأكل الوضيع يتطلع الى الوجوه فلا يرى الا آثار استغراق في النوم لم ينطلق له وجه واحد بمعنى انساني هؤلاء المصريون جنس سمج ثرثار اجسادهم لم تعرف الماء منذ سنين...
لو استطاع اسماعيل لامسك بذراع كل واحد منهم وهزه هزة عنيفة وهو يقول
استيقظ... استيقظ من سباتك وافق وافتح عينيك ما هذا الجدل تعيشون في الخرافات وتؤمنون بالاوثان وتحجون للقبور وتلوذون باموات...
انفلت اسماعيل من الزحام وجرى الى الجامع ودخله واجتاز الصحن الى الحرم هذا هو القنديل قد علاه التراب بزجاجه واسودت سلسلته من هبابه اكثر ما ينبعث منه دخان لا بصيص ضوء هذا الشعاع اعلان قائم للخرافة والجهل...
لم يملك اسماعيل نفسه زاغ بصره ثم شب وأهوى بعصاه على القنديل فحطمه وهو يصرخ انا .. انا .. انا. ثم لم يستطع ان يتم جملته..
هجمت عليه الجموع.. وتهدمت فوقه.. فخر على الارض مغمى عليه.. ضربوه وداسوه بالاقدام.. وجرح راسه.. وسال الدك على وجهه.. ومزقت ثيابه...
تعرف عليه الشيخ درديري:
اتركوه ! إني أعرفه! هذا هو سي إسماعيل ابن الشيخ رجب من حتتنا .. اتركوه!! احتمله إلى الدار .. ووضعوه على الفراش واجتمعت الأسرة في ليلة الفرح بعودته تبكي صوابه المفقود..
فصكت الأم وجهها ... وتأوه الأب وكتم المه وغيظه.. وسكبت فاطمة دموعها مدراراً.... 
ومرت أيام كثيرة ... وإسماعيل لا يغادر الفراش ... فأدار وجهه للجدار لا يكلم أحداً ولا يطلب شيئاً ... هل يعود إلى أوروبا ليعيش وسط أناس يفهمون الحياة ؟
وذات صباح ... استيقظ إسماعيل وهو يشعر بنشاط عجيب وخرج من الدار مبكراً ... وعاد يحمل حقيبة ملأى بالزجاجات وأغطية المراهم ... وبدأ علاج فاطمة كما يقتضيه طبه وعمله.
فى الصباح.. تجلس فاطمة بين يديه.. وقبل النوم.. ومر يوم وثان وثالث ورابع.. واسبوع واخر.. وعيون فاطمة على خالها.. ثم اذا بها تسوء فجاءة.. وتلتهب ويختلط سوادها بالبياض.. فقاوم ووثابر.. واخيرا استيقظت فاطمة على صباح وهى تفتح عينيها ولا ترى.. لقد انطفا اخر بصيص تتعزى به..
هرب إسماعيل من الدار لم يستطع الإقامة فيها ... وفاطمة أمامه ... وعماها يدل على عماه ... وعيون أمه وإخوته وما دار حديث بينها ... كيف إستطاع أن يفهم شيئاً ... ابن أدمي
وجاء رمضان فما خطر له أن يصوم ... يحدث إسماعيل نفسه لماذا خاب ؟ ودار بعينيه في
الميدان ... وتريّنت نظره على الجموع ... فاحتملها ... وإبتدأ يبتسم لبعض النكات والضحكات التي تصل إلى سمعه فتذكره في النداءات التي يسمعها بأيام صباه .. ما يظن أن هناك شعباً كالمصريين حافظ على طابعه وميزته .. رغم تقلب الحوادث وتغير الحاكمين..
وحلت ليلة القدر.. فانتبه لها اسماعيل ففى قلبه لذكراها حنان غريب.. لا يشعر فى ليلة اخرى حتى وليالى العيد بما يشعر فيها من خشوع وقنوت الله.. ف إنتفض إسماعيل من رأسه إلى أخمص قدميه .. أين أنت أيها النور الذي غبت عني
 دهراً ؟ مرحباً بك .. لقد زالت الغشاوة التي كانت على قلبي وعيني .. وفهمت الآن ما كان خافياً عليّ لا علم ... بلا إيمان.
دخل إسماعيل المقام ورفع بصره فإذا القنديل في مكان يضيء كالعين المطمئنة التي رأت وأدركت وإستقرت .. خيل إليه أن القنديل وهو يضيء يومئ إليه ويبتسم ... وجاء الشيخ درديري يسأله عن صحته وأخباره فيميل عليه إسماعيل ويقول:
هذه ليلة مباركة ياشيخ درديري .. أعطني شيئاً من زيت القنديل.
والله أنت بختك كويس دي ليلة القدر وليلة الحضرة كمان.
وخرج إسماعيل من الجامع وبيده الزجاجة ... ثم دخل الدار ونادى فاطمة:
تعالى يا فاطمة لاتيأسي من الشفاء لقد جئتك ببركة أم هاشم ستتجلى عند الداء وترد إليك بصرك.
وعاد من جديد إلى طبّه وعلمه يسنده الإيمان ... ثابر واستمر. ولاحت بارقة 
الأمل ... ففاطمة تتقدم في الشفاء على يديه يوما بعد يوم ... وإذا بها تكسب في آخر العلاج ما تأخرته في سيدته .. فهي تقفز أدواره الأخيرة قفزا.. ...
ولما رآها ذات يوم سليمة في عافية .. فتّش في ذهنه وقلبه عن الدهشة التي كان يخشاها فلم يجدها..
وافتتح إسماعيل لنفسه عيادة في حي البغالة بجوار التلال...
الزيارة بقرش واحد لايزيد ... ليس من زبائنه متأنقون ومتأنقات بل كلهم فقراء ... وكم من عملية شاقة نجحت على يديه ... اعتمد إسماعيل على الله ثم على علمه ويديه ... فبارك الله له في عمله .. وفي يديه وما ابتغى الثروة ولا بناء العمارات .. وشراء الأطيان .. وإنما قصد أن ينال مرضاه الفقراء شفاءهم على يديه.. ..
وتزوج إسماعيل من فاطمة وأنسلها خمس بنين وست بنات.


شهيرة خليل


بعض مؤلفات يحيى حقى

قنديل أم هاشم - دماء وطين - أم العواجز
روايات قصيرة: البوسطجى.
يوميات: خليها على الله.
دراسات في النقد الأدبي: خطوات في النقد - فجر القصة القصيرة.
دراسات في الفن والفكر: تعالى معي إلى الكونسير بالإضافة إلى إنتاجه المتنوع من المقالات والقصص القصيرة والترجمة.
حاصل على جائزة الدولة التقديرية سنة ١٩٦٩



--------------------------


انتقل الي العدد التالي : العدد 

العودة الي العدد السابق : العدد 


إرسال تعليق

1 تعليقات