سوبر ميكي
العدد 1561 سوبر ميكي مارس 1991
العدد 1561 من مجلة سوبر ميكي الصادر بتاريخ : 21 من مارس 1991م
العدد بصيغة CBR & PDF
القصص الواردة في هذا العدد :
سيتم الاضافة قريباً
اقرأ اون لاين من صفحات العدد :
التنين .. والملك الضاحك
تقديم افتتان ممتاز
كان تنين يحكم مملكة رائعة تقع في غابات كثيفة يعود تاريخها الى مئات السنين .. وبجوار مملكة التنين ، كانت توجد مملكة اخرى يحكمها ملك محبوب من شعبه ، لطيبة .. قلبه ورقة مشاعره .. وكان هذا الأمر نادرا حتى في ذلك العهد البعيد ، مما دعا التنين الى ان يشعر بتقدير خاص لهذا الملك الطيب ويحاول ان يراه كلما استطاع إلى ذلك سبيلا ..
وحتى يرى التنين الملك بدون ان يفزع من منظره المخيف كان يغير شكله دائما .. لأن هذا الثنين كان يتمتع بقوة سحرية تجعله يستطيع ان يتخذ اى شكل يعجبه ، فيصبح في بضع دقائق ديكا يصبح ، أو حبه قمح ، او شابا وسيما ، او جبلا شامخا .. وهكذا كان التنين اذا اراد ان يقترب من الملك الطيب يحول نفسه الى فلاحة مسكينة او قط أعرج او عالم زاهد .. كان التنين يجد الملك على نفس القدر من الطيبة والاسراع في تخفيف الام الآخرين .. وكان التنين يقول لنفسه :
- هذا ملك حقيقي .. لانه رحيم عادل .. لماذا لا يكون كل الملوك على شاكلته ؟
ثم يعود التنين الى مملكته سعيدا بزيارته لجاره .. في احدى المرات ، حول التنين نفسه الى حمامة ليقف على سور شرفة الملك ، حينما لاحظه فريق من الصبيان الذين عدوا على مطاردة الطائر الابيض .. اخذوا يتنافسون على من يستطيع ان يصيبه بالحجارة .. وبالفعل جرح الطائر جرحا بليغا في جناحه .. ومع أول قطرة دم سالت منه ، زالت قدرة التنين على التحول ، فهو لا يستطيع ان يستعيد قدرته السحرية الا اذا شفى تماما .. لكن لابد له أن يهرب .. من هؤلاء الصبيان القساة ، وظلت الاحجار تتساقط عليه .
وشعر بالارهاق والاعياء انه لن يتمكن من الهرب وصاح أحد التلاميذ :
- سوف يسقط الطائر احسنوا التصويب .. هو لنا لا محالة ! و .. سقطت الحمامة فوق الأرض من الاعياء ..
في تلك اللحظة مرت عربة الملك .. ورأى الملك التلاميذ يطلقون صيحة الانتصار .. وانقبض قلبه الرحيم حينما ادرك ان هدفهم طائر لا حول له ولا قوة ..
اشعار الملك بيده فتوقفت العربة .. ونزل الملك ووقف بين الحمامة المنهارة ومطارديها .. وصاح بصوت قوى :
- ابتعدوا ايها الأولاد القساة .. هل تتركون المدرسة لتعذبوا ارق طائر في السماء ؟ عودوا الى مدرستكم فورا ، وليكتب كل منكم مائة مرة : « أنا مخلوق مجرد من الشفقة » .
وضع الملك الطيب الحمامة .. التي كانت فتنفس بصعوبة - في يديه قائلا : مسكين انت ايها الطائر ! ، واخذ يمسح ريشه بطرف حزامة الحريري وهو يقول :
- لا تخف .. سوف اعتنى بك حتى تشفى .. فلم يكن الملك الرحيم يعهد الى احد غيره برعاية الطائر .. فهو يضمد له جراحة ، ويطعمه بنفسه ، ولا ينام الا اذا قبل رأسه الابيض الصغير ..
بعد شهر استردت الحمامة عافيتها ، وثبت ريشها .. لكن التنين كان شديد التردد في ان يستعيد شكلة الاصلي ، خشية ان يبتعد عن الملك الطيب ويحرم من حنانه وعطفه .. لكنه كان يفكر ايضا في مملكته . كيف اصبحت الآن بدونه ؟ وهل يفضل راحته هو على واجباته ؟ في النهاية قرر التنين ان يستمع الى صوت الواجب ويعود الى غابته ومملكته .. وبينما الملك يحنو عليه في احد الايام قال له التنين وهو لا يزال على شكل طائر :
- ايها الملك الطيب ، اننى مضطر ان اتركك الآن بدافع الواجب .. لكني لا اريد ان اتركك بدون ان اقدم لك هدية ، عرفانا بجميلك لانك انقذت حياتي كطائر .. انني ادعولك بقدرتي السحرية القديمة ان تفهم لغة الحيوانات كلها .. لكن هذه الهدية تمثل خطرا وحيدا عليك : فانت ان بحث لاى كائن ما عن هذه الهدية الثمينة سوف تموت في الحال ..
قال الملك :
- من انت ايها الطائر الجميل ، حتى تمتلك هذه القدرة العجيبة وتقدم مثل هذه الهدايا ؟
قال التنين :
- هذا سرى انا .. فاعرف انت كيف تحتفظ بسرك والى اللقاء ! حلق الطائر مبتعدا ، بعد ان همس في اذن الملك بكلمات
سحرية وتنهد الملك قائلا :
- معقول أن يسكن الجهود كل مكان في الأرض ؟ لقد عنيت بهذا الطائر قدر استطاعتي .. وهاهو يرحل عنى ، ناسيا صداقتي ومودتي ..
قالت فراشة واقعة فوق زهرة في غرفة الملك :
- اذا كان أحد لا يعلم حقيقة الأمور ، فالافضل له ألا يتكلم .. ما رأيك ايها العنكبوت ؟
- انني افكر مثلك تماما .. لكن الملوك دائما لا يقدرون الفضائل والمواهب التي تحيطهم حق قدرها .. فهناك من يملأ رءوسهم بالتملق فيفقدون سلامة الرأى والمنطق .
قالت ذبابة :
- وايضا الفهم .. فالملك لم يحس بمدى حزن الحمامة وهي تبتعد عنه .. أنه لم يفكر الا في نفسه . استمع الملك بدهشة الى هذه
اللغة الجديدة التي اصبح يفهما .. ولم يشعر باستياء للأراء الصريحة التي سمعها عن نفسه . فهو لم ير حتى تلك اللحظة غير انحناءات رجال البلاط ، ولم يسمع منهم الا كلمات التملق والنفاق .. وفرح بكلام الحشرات غير المنمق .. قال الملك في الشرفة ينصت الى حديث الحشرات ولم يشعر باقتراب الملكة .. وقالت الفراشة للذبابة التي دخلت الغرفة واخذت ترتطم بكل المرايا :
- عم تبحثين ؟ أم انك تففنين هذه المرايا نوافذ مفتوحة ؟
- كلا .. لست عبيطة الى هذا الحد .. لكنى استمتع بمزاولة رياضة التزحلق .. الم ترى البشر وهم يتسلون بهذه الرياضة فوق سطح الجليد ؟ توسل العنكبوت قائلا :
- ارجوك .. احترسي اثناء
التنين.. والملك الضاحك
مرورك ببيتي .. انني اوشكت على الانتهاء منه ، بخاصة لو ظل الملك بدون حركة مدة ساعة .. لكن للأسف .. فالرجال ليس لديهم صبر ولا يحترمون عمل الآخرين !
صاحت الفراشة :
- النساء اسوا منهم كثيرا !
فهن لا يترددن في ان ينتزعن الطعام من فمك انظر ان اول ما فعلته الملكة حينما دخلت الغرفة هو ان نزعت من الزهرية زهرة النرجس التي كنت ادخرها لطعامي وهاهي تصيبها بالذبول كلما قربتها من رائحة انفها الكريهة ..
هنا استدار الملك ، ورأى الملكة بالفعل وهي تشم بعمق زهرة النرجس .. وحينما رأت بصر الملك مركزا عليها اخذت تشمها وهي تميل بدلال ورقة .. لكن الملك حينما تذكر الرائحة الكريهة التي تحدثت عنها الفراشة لم يتمالك نفسه من الضحك بشدة فقالت الملكة :
- ماذا يضحكك يا مولای ؟ تذكر الملك وصية التنين وقال :
- لا شيء .. لا شيء .. قالت الملكة وقد تملكها الفضول :
كيف تضحك من لا شيء ؟ قل لى ارجوك سبب ضحك .
- ان جلالتك لا تخفى عنى سرا ابدا ..
- دعينا من هذا الأمر .. وهيا بنا نتنزه في الغابة ونجرب الجوادين الجديدين .
كان جو الربيع رائعا حينما بدا الملك والملكة نزهتهما بالجوادين الجديدين ، يتبعهما جمع من رجال البلاط والحرس ..
ولم تكف الملكة عن ابداء اعجابها بكل ما تراه وتقابلة من جمال الطبيعة . فجاة سمع الملك جواده يهمس لرفيقه :
لماذا لا تكف عن هز رأسك بهذه العصبية ؟ هل قرصك برغوث او ناموسة ؟
قال الجواد الآخر :
- انني افضل قرص الف برغوث عن ثرثرة الملكة ! ان صوتها حاد يثقب الأذن بطريقة بشعة ! ولو لم اكن متمالكا اعصابي لتخلصت منها والقيتها بقفزة واحدة ! بالاضافة الى انها لا تجيد ركوب الخيل وثقيلة الوزن لدرجة لا تحتمل !
انفجر الملك ضاحكا من قلبه ، لسماعه هذا الكلام ... فالملكة تزعم انها احسن فارسة في المملكة وان قوامها ارشق من الظبية الصغيرة ! هزت الملكة رأسها وهي تتنهد .. لكنها لم تحول بصرها عن زوجها وظلت ترقبه .. وفقدت بهجتها تماما وكفت عن الحديث ..
قالت عصفورة لغراب :
- ماذا جرى لهذين الزوجين .. حتى يمطا شفاهما هكذا ! وماذا يفيد الثراء والسلطان حينئذ ما الفرق بينهما اذن وبين اى عامل فقير بائس ؟
قال الغراب :
- لا اوافقك لان الثراء الوحيد الذي يتمتع به ای عامل فقیر هو اعتدال مزاجه بينما الملك والملكة لن يجدا صعوبة في التخلص من انحراف مزاجهما .. فهناك من المنافقين من يقول لهما انهما الطف ناس في العالم .. حتى لو كانا اسخف الناس ! صاحت الملكة التي ظلت تراقب وجه زوجها :
- ها انت تبتسم من جديد . وبدأت الملكة تبكي وتقول :
- يبدو ان قلبك قد تحول في مشاعره عنى .. تاثر الملك امام دموع الملكة .. وادرك في نفسه أن الهدية التي قدمتها له الحمامة حمل ثقيل لابد ان يحمله وحده والا مات .. وضاعفت الملكة بكاءها .. قال الملك .
ان ارضاء فضولك يسبب لي خطرا شديدا .. ارجوك وكفى عن البكاء .. صدقيني هذا افضل ! انت تخفى على سرا اذن ؟
- ان كشف هذا السر يضرني ضررا بليغا .. بل يجر وراءه موتى ..
- اه یا مولاى : اية سلطة هذه التي يمكن أن تسيطر على سلطتك وما الذي تخشاه وانت في وسط جيشك المخلص وشعبك الذي يحبك ؟
- انها قدرات سحرية .. غامضة كتلك التي جعلتني افهم لغ .
.. وعض الملك على شفتيه ولم يكمل الكلمة .. ثم اضاف وهو يدير رأسه لأن الملكة بدأت في البكاء من جديد :
- لكن الذي ادركه تماما ، ان سهما خفيا سوف يصيب قلبي ان كشفت عن هذا السر ..
- لا تخش شیئا يا مولای . قل لى هذا السر همسا .. ولن يعرف احد انك بحت لي به .. وان لم تقله لي سوف أموت انا من كثرة البكاء .
- سأقوله .. لك .. لكن ارجوك قبل ذلك ان تجهزي في فراشی الذي ساموت عليه .. والآن الازلت تصرين على معرفة السر بالرغم من يقينك بانني ساموت ؟ اختلطت دموع الملكة بدموع الملك الذي قال :
- ليكن لك ما تريدين .. سوف اجمع الآن مجلس الوصاية لنختار من يخلفني في الملك فانا لا اريد لشعبي ان يتألم بعد موتى ..
قبل ان يدخل قاعة العرش . اراد الملك ان يلقى نظرة اخيرة على بساتينه وحدائقه .. فجلس فوق مقعد من الرخام بين مجموعة من الاشجار ونظر حوله بحزن واسف .
جاء مجلسه مجاورا لعشه طيور حيث كان ديك ينظر في الأرض ويهز عرفة الأحمر .. قال له قط سمين :
- هل لك شهية للأكل بعد ان سمعت الخبر ؟
قال الديك وهو لايزال منهمكا في البحث عن الطعام :
- ای خبر ؟
- موت الملك القريب .. لقد كنت فوق الشرفة حينما سمعت الملكة والملك يتكلمان عن سر وان كشف هذا السر يسبب موت الملك مباشرة .. وحينما غادرت القصر ، كان الحراس يوقدون الشموع حول الفراش الذي سيموت عليه ملكنا المسكين .
- ان ملك المسكين ليس الا مجنونا ! ولن يلقى الا ما يستحقه .. واختفاؤه من الحياة لن يمنعني من البحث عن اشهى الحبوب ..
- لكنه سيدي وسيدك !
صاح الديك غاضبا :
سید ! سید ! انت ساذج اذ تسمى « هذا الرجل المسكين سيدا وهو يخضع لدموع امراته » .
- لكن ..
انا لا اعرف كيف تتعامل مع القطة وهذا لا يعنيني بالمرة .. فانا لا اهتم الا بشئوني الخاصة واعرف جيدا اننى لن اسمح لاية دجاجة بان تدفعني الى الموت لمجرد ارضاء فضولها السخيف !
- انت على حق .. لكن لنفرض ان دجاجتك الرمادية المفضلة ظلت تزعق وتصيح طول اليوم ، ماذا تصنع حينئذ ؟
- بسيطة .. حتى اسكتها ادعو الدجاجة الحمراء أو السوداء واقدم لها اشهى الحبوب .. وان لم تفلح هذه الطريقة اتذكر ان لى ارجل ومخالب ومنقارا موجعا !
استمع الملك باهتمام الى حوار الديك والقط .. ثم نهض مسرعا واتجه مباشرة الى غرفته وهو في غاية الانفعال .. فوجد فراشة وقد غطى بالحرير الاسود وبجواره وقفت الملكة في ثياب الحداد السوداء .. فسأل الملك متجهما :
- ما هذا ؟
- تلعثمت الملكة وهي ترفع منديلها الى عينيها وتقول :
- لقد جهزت كل شيء بما يليق بمقامك الملكي .. كما قلت لي .. واعددت لله ثيابا فاخرة تستقبل بها ملك الموت .. قال الملك بعنف شديد :
- اريد ان اعرف شيئا واحدا : هل تريدين حقا ان تعرفي حقيقة سری ؟
- نعم . نعم يا مولای !
- حتى لو تسبب الكشف عن هذا السر موتي ؟
قالت الملكة .. وهي تبكي :
- بكل اسف .. نعم يا مولای .. فانا التي سأموت ان لم أعرف السر .. لن استطيع ان اعيش والفضول يمزقني .. سوف اموت لا محالة ان لم .. قاطعها الملك صائحا بغيظ :
- حسنا ! موتى اذن ! ان مملكتي لا تنقصها الاميرات ولن اجد صعوبة في اختيار واحدة منهن .. هذا هو سرى !!
هل عرفته ؟
وانقض الملك على اقرب شمعة كبيرة وانهال بها ضربا على ظهر الملكة .. ذهلت الملكة من تصرف الملك غير المتوقع .. وظلت صامتة من الدهشة .. بلا حراك .. بلا دموع .
قال الملك بقوة بعد ان انكسرت الشمعة في يده :
- هل شفيت الآن من الفضول ؟ ام انك تريدين المزيد ؟
تكلمي فلا تزال هنا شموع كثيرة ، وانا لم اتعب .. !
لم تعد الملكة - بعد تلك اللحظة - تبدى اية بادرة من الفضول وحب الاستطلاع واصبحت أكثر سيدات المملكة تحفظا ورزانة ، واكثرهن طاعة وتفهما .
افتتان ممتاز
--------------------------
انتقل الي العدد التالي : العدد
العودة الي العدد السابق : العدد

إرسال تعليق
0 تعليقات